محمد محمد أبو ليلة

100

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

وللقاضي عبد الجبار المعتزلي أيضا توجيه قيّم لهذه الآية ، إنه يؤكد ، مع جماعة المفسرين ، أن طلب العبادة والاستعانة لا يكون من اللّه لنفسه ، ولكن معناه قولوا : إِيَّاكَ نَعْبُدُ ؛ وخلو الصورة من الأمر فيه تقرب من اللّه تعالى لعباده وتقريب لهم « 1 » . والآيات التي أشارت إلى اللّه بضمير الغائب مثل ( ربك ، وربكم ، وربهم ) ليس فيها ما يخرجها عن كونها قرآنا . وهذا من أساليب القرآن المعجزة ، يلوّن اللّه فيها الخطاب وينوع في الأساليب بحيث تنجذب إليه النفوس ، فلا تملّه ، وتهفوا نحوه القلوب فلا تنصرف عنه . ونلاحظ هنا أن الكاتب يقيس القرآن على منوال النقد الغربى ، ويحكّم فيه المعايير النقدية التي طبّقت على كتب العهدين القديم والجديد في العصر الحديث ، متجاهلا الظروف والأوضاع المختلفة لكلّ من الكتابين ؛ فالقرآن مثلا هو كلام اللّه ، تلقاه محمد صلى اللّه عليه وسلم من جبريل عليه السلام عن رب العالمين وحفظه . وكتب في حياته ، وحفظته الأمة صغارا وكبارا ، نساء ورجالا ، عربا وغير عرب ؛ ودانت به وأحاطته بكل رعاية وعناية ؛ وأوسعته حفظا ودراية ؛ عكس التوراة ، وكتب الأنبياء ، والأناجيل التي ضاعت أصولها ، وفقدت أعيانها ؛ ثم كتب بعد ذلك ما استنقذ منها أو قريب منه ، بأيد مختلفة ، وفي أزمنة مختلفة ، وفي أماكن متفرقة ؛ وهذه الكتب ، بوصفها الحالي ، يمكن أن تخضع بسهولة ، لمقياس النقد الحديث ؛ بل إنه ينبغي عرضها على تلك الموازين النقدية ؛ هذا صحيح بالنسبة لهذه الكتب ؛ ولكنه غير صحيح بالمرة بالنسبة للقرآن الذي حفظته الأمة ، وتأسست به الملة ، وقامت على قواعده الدولة ، وحفظه العربي والعجمي في لغته الأم " العربية " . وبالنسبة لتعليق الكاتب على الآيات التي تخير بأن اللّه لم يكلم رسله مباشرة ، يدل على أنه لم يفهم معناها ؛ إذ أن كلمة " روح " في الآية ، تعنى القرآن ، كما أشرنا إليه من قبل ؛ وقد عبر اللّه عن " القرآن " ب " الروح " لأنه يصل إلى الأرواح ، ويتخلل القلوب ، وأيضا فإن فيه مناسبة للقرينة ، إذ الكلام عن لطيف الاتصال بين اللّه تعالى وملائكته ورسله ، عن طريق الوحي ، أو الخطاب الرباني ؛ فناسب أن يعبر عن " القرآن " ب " الروح " مراعاة للسياق اللفظي ، والقرآن نفسه لا يدع لأحد مجالا للشك في أنه كلام اللّه سبحانه وتعالى ، وأنه نزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم بسفارة جبريل عليه السلام ، والأحاديث كثيرة في تأكيد هذا المعنى وفي طريقة تلقّى محمد صلى اللّه عليه وسلم للقرآن وكيفيته ، كلام كثير للعلماء لا يتسع المقام لذكره هنا تفصيلا ؛ ولكننا نكتفي هنا بتقديم بعض الأمثلة .

--> ( 1 ) القاضي عبد الجبار . تنزيه القرآن عن المطاعن ص 9 .